السيد محسن الأمين
292
أعيان الشيعة ( الملاحق )
بعد النبوة قبل الهجرة حجة واحدة رواه ابن سعد في الطبقات بسنده عن مجاهد . وقيل حج بعد النبوة قبل الهجرة حجتين وهما اللتان كان عندهما بيعتا العقبة الأولى والثانية وان الحجة التي بايعه فيها ثمانية أو ستة من الأنصار كما يأتي هي العقبة الأولى لا غيرها لكن ابن سعد قال إنها غيرها . وقيل إنه حج بعد النبوة قبل الهجرة ثلاث حجات ( أحدها ) قبل العقبة الأولى وهي التي أسلم فيها ثمانية أو ستة من الأنصار حين عرض عليهم الإسلام بمنى . ( والثانية ) الحجة التي لقي فيها اثني عشر رجلا من الأوس والخزرج ( والثالثة ) الحجة التي بايعه فيها السبعون عند العقبة الثانية قاله ابن سعد في الطبقات . وفي السيرة النبوية لدحلان انه ( ص ) لم يحج بعد فرض الحج غير حجة الوداع قال قال أبو إسحاق السبيعي : وحج وهو بمكة أخرى ولكن قوله أخرى يوهم انه لم يحج قبل الهجرة إلا واحدة وليس كذلك بل حج قبلها مرارا قيل حجتين وقيل ثلاث حجج قال : والحق الذي لا ارتاب فيه كما في شرح الزرقاني على المواهب انه لم يترك الحج وهو بمكة لأن قريشا في الجاهلية لم يكونوا يتركون الحج . وإذا كانوا وهم على غير دين - يحرضون على إقامة الحج فكيف يظن به انه ( ص ) يتركه قال وقد ثبت حديث جبير بن مطعم انه رأي النبي ( ص ) واقفا بعرفة وانه من توفيق الله له وكانت قريش تقف بجمع ولا تخرج من ارض الحرم وكان ( ص ) يخالفهم ويصل إلى عرفة ويقف بها مع بقية العرب . وصح انه ( ص ) كان يدعو قبائل العرب إلى الإسلام بمنى ثلاث سنين متوالية قال الزرقاني فلا يقبل نفي ابن سعد انه لم يحج بعد النبوة إلا حجة الوداع لأن المثبت مقدم على الثاني [ النافي ] ولذلك قال ابن الجوزي حج قبل النبوة وبعدها حجات لا يعلم عددها ، وقال ابن الأثير في النهاية كان يحج كل سنة قبل ان يهاجر اه . كلام دحلان . وإذا كان بقاؤه بمكة بعد النبوة وقبل الهجرة ثلاث عشرة سنة يكون قد حج بعد النبوة وقبل الهجرة ثلاث عشرة حجة - وحينئذ فما ورد في رواياتنا كما سبق من أنه حج مع قومه قبل الهجرة عشرين حجة هو الصواب يكون حج سبعا قبل البعثة وثلاث عشرة بعدها أو ثمانية قبلها واثنتي عشرة بعدها . واما فرض الحج ففي السيرة الحلبية قال الجمهور : فرض الحج كان سنة ست من الهجرة وقيل سنة تسع وقيل سنة عشر وقيل فرض قبل الهجرة واستغرب اه . إذا عرفت ذلك كله علمت أن حجه ( ص ) قبل الهجرة أو قبل النبوة أو بعدها عدة حجات بمكة مع قومه لا يختص برواياتنا عن الإمامين الباقر والصادق ع وان حجه بعد النبوة قبل الهجرة لا بد ان يكون قبل فرض الحج في شرع الإسلام لأنه لم يفرض إلا بعد الهجرة كما عرفت . اما انه كان في قومه كثرة فكيف أمكنه الاستتار فكثرة قومه لا تمنعه من الاستتار بان يحج وحده أو مع قومه ويستتر في بعض الأعمال . واما انه بعد النبوة لم يكن فرض الحج بمكة ولم يكن متعبدا بعد النبوة إلا بشرعه فلا يختص بنا فان ورد علينا ورد على غيرنا وهذا يدل على قلة اطلاعه . وإذا ثبت انه كان يحج قبل ان يفرض الحج فلا بد ان يكون ذلك على شريعة غيره واعتراضه بأنه بعد النبوة لم يكن متعبدا إلا بشرعه غير وارد لأن ذلك انما يسلم فيما له فيه شرع أما قبل فرض الحج في شرعه فلا مانع ان يتعبد فيه بشرع غيره ويمكن ان يكون قد شرع الحج في حقه خاصة بعد النبوة وان لم يكن قد شرع في حق غيره . واما قبل النبوة فحال الحج كغيره من الأحكام والعبادات وللأصوليين خلاف مشهور في أنه قبل النبوة هل كان متعبدا بشرعه أو بشرع غيره . ومن ذلك يعلم الجواب عن قوله هل كان يحضر في مواسم الحج وكيف كان فايراد 292 هذه المسائل في فقه عقائد الشيعة لا وجه له . قال في ص 36 حج أبو بكر وعلي مع الناس في السنة التاسعة . تقول كتب الشيعة ان حج السنة التاسعة كان في ذي القعدة في دور النسيء ، وكيف يصح ذلك والكتاب الكريم سماه يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ . ونقول : كتب الشيعة التي بأيدينا لم نجد فيها ما ذكره ففي مصباح المتهجد للشيخ الطوسي : في أول يوم من ذي الحجة سنة تسع من الهجرة بعث النبي ( ص ) سورة براءة حين نزلت عليه مع أبي بكر ثم نزل على النبي ( ص ) انه لا يؤديها عنك إلا أنت أو رجل منك فأنفذ عليا حتى لحق أبا بكر فأخذها منه وهو صريح في أن حج تلك السنة كان في ذي الحجة لا في ذي القعدة وقال الطبرسي في تفسير قوله تعالى : ( فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) اختلف في هذه الأشهر الأربعة فضل [ فقيل ] ابتداؤها يوم النحر عن مجاهد وهو المروي عن أبي عبد الله ع وقيل من أول شوال وقيل ابتداؤها يوم النحر لعشرين من ذي القعدة لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة وفيها حجة الوداع وكان سبب ذلك النسيء عن الجبائي فهو لم يقل ان حج تلك السنة كان في ذي القعدة بل نقله عن الجبائي ولم ندر ما هي كتب الشيعة التي تقول ذلك وان كانت تقول ذلك وقد شاركتها في هذا القول كتب غير الشيعة . قال الإمام الرازي في تفسير الآية : اختلفوا في هذه الأشهر الأربعة فقيل إن ابتداءها شوال وقيل ابتداؤها العشرون من ذي الحجة وقيل ابتداء تلك المدة كان من عشر ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت بسبب النسيء الذي كان فيهم ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة أي حجة الوداع . والدليل عليه قوله عليه الصلاة والسلام ألا ان الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض اه . فهو قد نقل ما نقله الطبرسي وظهر منه ترجيح القول الأخير . وفي الكشاف في تفسير ( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً ) إلى قوله ( مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ) ثلاثة سرد ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد مفرد وهو رجب ومنه قوله ع في خطبته في حجة الوداع الا ان الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم . ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان والبعض رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه وعاد الحج في ذي الحجة وبطل النسيء الذي كان في الجاهلية وقد وافقت حجة الوداع ذي الحجة وكانت حجة أبي بكر قبلها في ذي القعدة اه . فظهر ان إسناده ذلك إلى كتب الشيعة وحدها كان عن قصور في اطلاعه وحينئذ فيسأل كيف حج أبو بكر وعلي في ذي القعدة في دور النسيء وهو من سنن الجاهلية ويمكن الجواب من وجهين ( الأول ) ان الحج لم يكن قد فرض بناء على أنه قد فرض سنة عشر من الهجرة كما هو أحد الأقوال المتقدمة في الفصل الذي قبل هذا ويؤيده ان الحج لو كان مفروضا قبل سنة عشر لما تركه النبي ( ص ) وعدم استطاعته له بعيد لا سيما ان مكة المشرفة كانت قد فتحت سنة ثمان من الهجرة وإذا لم يكن الحج مفروضا فلا مانع من حج أبي بكر وعلي في دور النسيء لغاية تبليغ علي سورة براءة ( الثاني ) يمكن ان يكون أبو بكر وعلي خرجا مع المشركين في حجهم في ذي القعدة وبلغ علي ( ع ) سورة براءة في الموسم ثم حج هو وأبو بكر في ذي الحجة من تلك السنة وهذا الجواب يتم سواء أقلنا بان الحج كان قد فرض أم لا ، وحينئذ فمن قال إن حج أبي بكر في السنة التاسعة كان في ذي القعدة يريد حجه مع الناس ولا ينافي ذلك ان يكون حج وحده حجا صحيحا والله